باب الحديد....حين يطرق التاريخ على سندان الذاكرة
23 Sep, 2026
بقلم: راما عبدالرحمن نور الدين
حين يطرق التاريخ على سندان الذاكرة
ليست المدن العظيمة مجرد أبنية وأسواق ومساجد تتراص فوق صفحات الزمن، بل هي ذاكرة حية تحفظها الحجارة، وترويها الكتب، وتتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.
وحين نتجول في أحياء حلب القديمة، لا نمشي فوق طرق مرصوفة بالحجر فحسب، بل نعبر فوق قرون من الحضارة والتجارة والعلم والعمل، حيث تختلط أصوات الحرفيين بنداءات المؤذنين، وتتجاور الأسواق العامرة مع المساجد العتيقة في لوحةٍ فريدة رسمها التاريخ وأكملتها يد الإنسان الحلبي عبر العصور.
ومن هنا تبدأ الحكاية عند أحد أشهر أبواب المدينة وأشدها حضوراً في الذاكرة...
باب الحديد :
يقف باب الحديد شامخاً شمال قلعة حلب مباشرة عند مدخل السوق المسقوف، بوصفه واحداً من أبرز أبواب حلب التاريخية وأكثرها حيوية وحركة.
وقد حمل هذا الباب عبر تاريخه أسماء عدة، فعُرف قديماً باسم باب اليهود وباب القصر، قبل أن يغلب عليه اسم باب الحديد نتيجة كثرة ورشات الحدادة ومحال تصنيع الحديد المنتشرة في محيطه.
وفي عام 1509م شُيِّد بشكله الحالي خلال العهد المملوكي على يد السلطان قانصوه الغوري، فتميز بقوسه الحجري المتين وسقفه المقوس الذي ما يزال يختزن ملامح العمارة المملوكية العريقة.
ولم يكن الباب مجرد معبر بين جهتين من المدينة، بل تحول إلى شريان نابض يصل قلعة حلب بأسواقها القديمة، حيث تنتشر المحال التراثية للحدادة والنجارة والصناعات اليدوية.
وحتى اليوم ما زالت الحياة تتدفق في أروقته، ويعبق المكان بروح التاريخ وروائح المهن القديمة وأصوات المطارق المتناغمة مع إيقاع المدينة، مما يجعله محطةً استثنائية لكل زائر يبحث عن جوهر حلب الحقيقي.
ومن ظلال الباب العتيق تتفرع الدروب نحو معالم روحية حملت عبق القرون وحفظت ملامح المجتمع الحلبي عبر الأزمنة...
يقع جامع بنقوسا، أو بانقوسا، شرق باب الحديد بنحو ستين متراً في حي خان السبيل، ويُعد من الجوامع المملوكية المهمة في المنطقة.
يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن الهجري، الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي، حيث بدأ بتشييده الخواجة " خاص بك" ، ثم أكمله أهل الخير من بعده.
وقد عُرف في الماضي باسم الجامع الجديد تمييزاً له عن جامع الحدادين العتيق، ثم غلب عليه اسم المحلة التي نشأ فيها فأصبح يعرف بجامع بانقوسا.
ويتميز الجامع بصحن واسع يبلغ طوله مائة قدم وعرضه اثنين وسبعين قدماً، تتوسطه بركة ماء كانت تصلها مياه قناة حلب، كما يضم رواقين جميلين يضفيان على المكان رحابة وهدوءاً.
وفي زاويته الشمالية الغربية ضريح يُنسب إلى النبي بنقوسا، بينما يحتفظ الجامع بأحد أشهر مقتنياته التاريخية، وهو حجر أزرق داخل القبلية إلى يسار المحراب، نُقش عليه أثر كف يُقال إنه كف النبي محمد ﷺ، وتحيط به أبيات شعرية جعلته موضع زيارة وتبرك عند الناس على مر السنين.
وإذا كان جامع بنقوسا يمثل صفحة مشرقة من تاريخ المحلة، فإن الجامع العتيق المجاور يكمل السردية التاريخية للمكان...
فإلى الشمال من باب الحديد، في حي الشميصاتية بحلب القديمة، يقع جامع الحدادين المعروف أيضاً باسم جامع بنقوسا العتيق أو الجامع العتيق، وهو من أقدم مساجد المدينة.
شُيِّد في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي خلال المرحلة الأيوبية المملوكية على يد الحاج علي بن معتوق الدينسيري، وجُدّد عام 1841م.
وقد استمد الجامع اسمه من سوق الحدادين المجاور له، أو من الشيخ الحدادي الفقيه المدفون فيه.
ويتميز ببابين، أحدهما شرقي والآخر غربي، وصحن واسع تبلغ أبعاده 42×105 أقدام، تتوسطه بركة تصلها المياه من قناة حلب.
كما ترتفع منارته فوق غرفة خاصة، في صورة معمارية تضيف إلى بنائه فرادة وتميزاً.
وما يزال الجامع حتى يومنا هذا عامراً بالمصلين، شاهداً على استمرار الوظيفة الدينية والروحية التي حملها لقرون طويلة، وجزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي لحلب القديمة.
ومع مواصلة الرحلة بين أحياء المدينة العريقة، تظهر معالم أخرى تشهد على ازدهار الحياة الدينية والعمرانية في المنطقة...
ففي حي البياضة، شمال سوق البياضة بين باب الحديد والباب الأحمر، يقع جامع البياضة المعروف أيضاً باسم جامع الصروي، وقد استمد اسمه من الحي الذي يقع فيه.
وتشير الكتابات المنقوشة فوق بابه الرئيسي إلى أن بانيه هو الحاج ناصر الدين محمد بن بلبيك الصروي، المعروف أيضاً باسم محمد الصروي، وذلك سنة 780هـ الموافق لعام 1378م في العهد المملوكي.
ويتميز الجامع بمحرابه ومنبره وسدته المصنوعة من الرخام الأصفر، وقد وصفه المؤرخون بأنه "جامع لطيف" متوسط السعة.
وخلال تاريخه الطويل شهد عدداً من التوسعات والترميمات المهمة، شملت توسيع القبلية والصحن وإضافة حوض ماء في منتصف الصحن، حيث جُلبت إليه المياه من قسطل خارجي، وفُرشت أرضه بالرخام.
كما أُنشئ فيه إيوان من الجهة الشرقية سنة 1340هـ في عهد مدير الأوقاف يحيى الكيالي، وعولجت واجهته الشمالية ببناء قنطرة جديدة حافظت على الباب والمنارة من السقوط، لتظل ملامحه التاريخية حاضرة رغم تقلبات الزمن.
ومن الجوامع الكبرى إلى المساجد التي اختبأت في ثنايا الأزقة، تستمر ذاكرة المكان في الكشف عن وجوهها المتعددة...
ففي الزقاق النازل من قبو المسلاتية باتجاه حمام بلبان، وعلى يسار السالك في محلة المستدامية، يقع جامع الأكنجي المعروف أيضاً باسم مسجد المسلاتي.
وهو مسجد صغير الحجم، لكنه يحتل موقعاً مميزاً ملاصقاً لسبيل البلباني وزيارته، مما جعله جزءاً مهماً من النسيج التاريخي للمحلة.
كما تذكر المصادر وجود قسطل الأكنجي، وهو نقطة ماء تقع تجاه المسجد بميل إلى الشرق.
ورغم أنه من المساجد الثانوية التي لم تنل قدراً كبيراً من التوثيق التاريخي، فإنه يبقى شاهداً على انتشار دور العبادة في مختلف أحياء حلب القديمة.
وبالقرب منه يقف مسجد آخر ارتبط اسمه بتاريخ المحلة وأهلها...
وهو مسجد بلبان الواقع في محلة المستدامية ضمن حي البياضة، مقابل حمام بلبان مباشرة.
وقد ورد ذكره في كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب للمؤرخ الغزي ضمن الآثار الباقية في هذه المحلة، إلى جانب جامع الأكنجي وجامع المستدامية. ويدل وجوده في هذه المصادر على أنه كان مسجداً معروفاً ومستخدماً في عصره، وأسهم في تشكيل المشهد الديني للحي عبر سنوات طويلة.
وبين هذه المساجد والمعالم العمرانية ظل سوق الحرفيين القلب النابض الذي منح المنطقة هويتها الاقتصادية والحضارية...
فيمتد سوق الحدادين، المعروف أيضاً باسم سوق المسلاتية أو قبو النجارين، بين باب الحديد وحي البياضة، باعتباره واحداً من أعرق الأسواق المسقوفة في حلب القديمة وأجملها.
وقد اكتسب اسمه من مهنة الحدادة العربية التي كانت المهنة الغالبة فيه، حيث اشتهر الحرفيون بصناعة الفؤوس والأزاميل والمسامير، إضافة إلى الأدوات الزراعية اليدوية التي جمعت بين الحديد والخشب في تناغم يعكس مهارة الصناع الحلبيين.
وكان السوق يُعرف في الماضي باسم سوق السراجين نظراً لازدهار صناعة سروج الخيل فيه، قبل أن تتنوع المهن والحرف مع مرور الزمن.
ويضم السوق حالياً نحو أربعة وثلاثين محلاً تجارياً، وقد استعاد حيويته بعد عمليات ترميم واسعة أُجريت عقب الأضرار التي لحقت به عام 2012، فعادت مطارقه تدق من جديد، واستأنف الحرفيون صناعة التحف المعدنية والسيوف الدمشقية والمشغولات النحاسية التي طالما اشتهرت بها حلب وأسواقها.
وهكذا، ما بين بابٍ يروي سيرة القوافل، وجامعٍ يحتفظ بأصداء الدعاء، وسوقٍ ما زالت تتردد فيه ضربات المطارق كما كانت قبل مئات السنين، تتجسد صورة حلب الحقيقية؛ مدينة لا تسكن التاريخ فحسب، بل تجعل التاريخ يسكن فيها. إن هذه المعالم ليست حجارة صامتة ولا أبنيةً عابرة على هامش الزمن، بل هي إرث متجذر في الوجدان، وذاكرة جماعية صاغتها قرون من الإيمان والعمل والإبداع.
حين يطرق التاريخ على سندان الذاكرة في هذه البقعة من حلب، تتطاير شرارات الحكايات من كل زقاق ومئذنة وسوق، لتؤكد أن المدن العظيمة لا تُقاس بعمر أبنيتها فقط، بل بقدرتها على البقاء حية في قلوب أبنائها، مهما تعاقبت الأزمنة وتبدلت الأحوال.



