اللبّاد السوري… حرفةٌ تعود من الاندثار إلى الضوء
25 Sep, 2026
بقلم: راما عبدالرحمن نور الدين
في ذاكرة الحرف السورية يقف اللبّاد كجدارٍ من صوفٍ مضغوط، وكأنّ الأيدي التي صنعته تركت فيه نبضها، فصار مدخلاً إلى حكاية حرفةٍ تعود اليوم من الاندثار إلى الضوء.
اللبّاد قطعةٌ تُفرش في الخيام، وترافق الرعاة في برد الجبال وحرّ السهول، وتظلّ شاهدةً على علاقة الإنسان بالغنم والتراب والبادية؛ علاقةٍ صاغت حرفةً وُلدت من الماء والصابون والضغط والصبر، حيث تشبه البلاد التي خرجت منها: صلبة، متينة، وممتدة مثل خطّ القوافل.
ومن هذا الامتداد نفسه، جاءت ورشة إحياء حرفة اللبّاد السوري
التي نظمتها حركة الفن الحلبي الشعبي بالتعاون مع منظمة التنمية السورية، والتي قدّمتها الآنسة بيان الجاسم في ٣١ آب ٢٠٢٦، من بعد نشاطها الفني في تركيا، عادت إلى سوريا حاملةً رغبةً في إعادة الروح إلى الحرف التقليدية ومنحها سياقاً فنياً معاصراً عبر حركة الفن الحلبي الشعبي؛ و رغبةٍ في وصل ما انقطع من تراث المدينة وإعادته إلى الضوء.
حيث حضر الورشة عشرون مشاركاً: منهم خمسة عشر متدرّباً، وخمسة من صنّاع المحتوى، إضافةً إلى ثلاث جهات إعلامية بينها سانا وسوريا بلس.
وقد أغنت الورشة الحضور بالمعلومة والتجربة العملية ، مانحةً لهم رؤيةً واضحة لحرفةٍ طالما شكّلت جزءاً من هوية المكان.
فقد شرحت ماهية اللبّاد السوري: وهو بساطٌ مصنوع من صوف الغنم الخالص، يعتمد على الكبس والتلبيد والضغط المستمر للصوف المغسول بالماء الساخن والصابون حتى تتشابك الألياف وتتحول إلى قطعة متينة وعازلة.
ثم انتقلت بسلاسة إلى خطوات صناعة اللبّاد يدوياً، موضحةً الأدوات المطلوبة، وطريقة ترتيب الألياف وترطيبها وفركها ولفّها وشطفها وتجفيفها، لتمنح المشاركين تجربةً عملية تُعيد إليهم ملمس الحرفة القديمة.
ومن الحديث عن التقنية، انتقلت إلى الجغرافيا، موضحةً أن صناعة اللبّاد انتشرت في المناطق المرتبطة بتربية الأغنام، وتركّزت حرفياً في حلب والباب بوصفهما من أهم مراكز إنتاج بسط اللبّاد، مع وجود حرف موثقة في حماة ومعرة النعمان، واستمرار الصناعة تقليدياً في الجزيرة السورية ولا سيما الحسكة.
ثم تناولت خصائص اللبّاد السوري التقليدي: العزل الحراري والصوتي، ومقاومة الرطوبة بفضل مادة اللانولين، إضافةً إلى تحمّله العالي وعمره الطويل.
ومن هذه الخصائص انطلقت إلى الحديث
عن منتجات التلبيد، من الملبوسات والإكسسوارات كقبعة الرعاة ، إلى المفروشات والأرضيات التي تُزيّن الديوانيات والمساجد والخانات بخطوطٍ هندسية بسيطة.
وبعد أن رسمت صورةً واضحة للحرفة، انتقلت إلى فرص إحيائها: توفر المادة الخام، إمكانية استعادة المعرفة، الهوية المحلية القوية، والسوق المتنامي للمنتجات التراثية، إضافةً إلى قابلية تطوير المنتج ليصبح جزءاً من الديكور والهدايا والتصميم الداخلي.
ولكن هذه الفرص تقف أمام تحدياتٍ كبيرة، أبرزها منافسة السجاد الصناعي الأرخص، وارتفاع كلفة العمل اليدوي، وانقطاع سلاسل التوريد التي حدثت خلال فترة الثورة، ونزوح الحرفيين، وتراجع ورش الباب من ٤٠٠ ورشة عام 1998 إلى ٦ ورش فقط عام 2008.
كما أوضحت أن إنتاج بساط واحد يحتاج إلى رجلين يعملان قرابة عشر ساعات، بينما تختصر الآلات الزمن والجهد.
ومن تشخيص التحديات، انتقلت إلى المقترحات العملية لإحياء الحرفة: إعادة هيكلة سوق الصوف، تشجيع مربي الأغنام، جمع وفرز الصوف وشراؤه بسعر محفّز، تنظيفه وندفه وتزويد ورش اللبّاد به، ثم إنتاج تقليدي ومعاصر، وصولًا إلى التسويق والبيع.
وأكّدت أن السوق وحده لا يستطيع إعادة هذه السلسلة إلى العمل، لذلك يصبح تدخل المؤسسات الثقافية والجهات الداعمة ضرورةً لا بدّ منها وذلك عبر تمويل شراء الصوف، وإنشاء مراكز للتجميع والفرز والتجهيز، وتدريب الحرفيين ونقل المعرفة، ودعم ورش نموذجية، وشراء منتجات اللبّاد ضمن برامج الاقتناء الثقافي والهدايا الرسمية،إضافةً إلى دعم التسويق محلياً وخارجياً.
فاللبّاد ليس مجرد قماش، بل ذاكرةٌ مضغوطة وحكايةٌ تُعاد كتابتها كلما لُفَّت خصلة صوف فوق أخرى.
إنه أثرٌ من تراث المدن والبادية، يعود كلما عاد أهله إليه، ويقف شاهداً على صبر الأيدي التي صنعت منه دفئاً وبيتاً وهوية.



مقال وتوثيق : م.راما نور الدين