لوغو حركة الفن الحلبي الشعبي

المقالات الثقافية

نكتب لنوثق الجمال، وننشر لنحيي التراث.. قراءات متعمقة في تاريخ حلب.

باب أنطاكية… حين يصبح الباب ذاكرة لتاريخ المدينة مقال فني
2026.09.25

باب أنطاكية… حين يصبح الباب ذاكرة لتاريخ المدينة

  في المدن العريقة، لا تكون الأبوابُ مجردَ فتحاتٍ في الأسوارِ تفصل بين الداخل والخارج؛ فبعضُها يتحولُ مع مرور الزمن إلى شاهدٍ صامتٍ على تاريخ المدينة بأكملها. يشهدُ على الحروبِ التي مرّت بها، وعلى الدولِ التي حكمتها، وعلى حركةِ الناسِ والتجارة، وحتى على الطريقةِ التي فكّر بها الإنسانُ في حمايةِ مدينته.ومن بين أبوابِ حلبَ القديمة، يبرز بابُ أنطاكية بوصفِه واحداً من الأبوابِ الرئيسيةِ العديدةِ التي كانت تتخلل سورَ المدينة.يقع في الجهةِ الغربيةِ من السور، وحمل اسمَه لأنه كان يفتح الطريقَ باتجاه أنطاكية، كما ارتبط بمحورٍ مهمٍ يقود إلى قلبِ المدينةِ وأسواقِها القديمة.لكنَّ أهميةَ بابِ أنطاكيةَ لا تكمنُ في موقعِه وحدَه؛ فالناظرُ إلى تكوينِه المعماري يكتشف أن الدخولَ إلى المدينة لم يكن عمليةً بسيطة، بل جزءاً من منظومةٍ دفاعيةٍ متكاملة. بوابة صُمّمت لتدافع عن المدينةيتكوّن البابُ من كتلتين دفاعيتين بارزتين ومتوازيتين، شُيّدتا من أحجارٍ ضخمة، وبينهما مساحةٌ للعبور. أمّا المدخلُ فلم يُوضع في منتصفِ الواجهةِ بشكلٍ مباشر، بل جاء جانبياً ضمن إحدى الكتلِ الدفاعية.وهذا التفصيلُ لم يكن عشوائياً؛ فالمدخلُ الجانبي يجعلُ الوصولَ إليه أكثرَ صعوبة، ويمنعُ المهاجمَ من التقدمِ بخطٍّ مستقيمٍ نحو داخلِ المدينة. وبذلك يتحوّلُ مسارُ الدخولِ نفسُه إلى عنصرٍ دفاعي، ويصبحُ على المهاجمِ أن يغيّر اتجاهَه ويدخل ضمن مساحةٍ محصورةٍ بين الكتلِ الدفاعية.وكان البابُ الخشبي الكبيرُ مدعّماً بأربطةٍ حديديةٍ ومساميرَ ضخمة، بما يعكس طبيعةَ البوابةِ كمنشأةٍ دفاعيةٍ وليست مجردَ عنصرٍ للمرور.وشهد بابُ أنطاكية مراحلَ متعددةً من الهدمِ وإعادةِ البناءِ والترميم.وتذكرُ بعضُ المصادرِ أن إعادةَ بنائه في العصرِ الأيوبي ارتبطت بالملكِ الناصر يوسف خلال القرنِ الثالثِ عشر، مع إنشاء البرجين الكبيرين، وتكشفُ النقوشُ والمصادرُ عن تجديداتٍ لاحقةٍ في العصرِ المملوكي.وهذا يجعلُ البابَ الذي نراه اليوم ليس نتاجَ فترةٍ زمنيةٍ واحدة، بل طبقاتٍ معماريةٍ تراكمت فوقَ بعضها عبرَ قرونٍ،بل هو حجارةٌ تتحدث:ولعل أكثرَ ما يجعل بابَ أنطاكية مميزاً أن تاريخَه لم يُحفظ في الكتبِ وحدها، بل نُقش أيضاً على جدرانه.توجدُ على البابِ أربعُ مجموعاتٍ رئيسيةٍ من النقوشِ الكتابيةِ تعود إلى فتراتٍ مختلفة، وكأن كلَّ عصرٍ ترك توقيعَه على المكان.من أقدمِها نقشٌ بالخطِّ الكوفي يعود إلى نحوِ القرنِ الحادي عشر الميلادي، يقع في الممرِّ خلفَ الجدارِ الواصلِ بين البرجين، ويتألفُ من خمسةِ أسطر، وهو شاهدٌ مهمٌّ على قدمِ الموقعِ واستمرارِ أهميته خلال تلك الفترة.ثم تأتي النقوشُ المملوكية، ومنها نقشٌ مؤرَّخٌ سنةَ 792هـ/1390م يقع فوقَ المدخل، ويتألفُ من ستةِ أسطرٍ بالخطِّ النسخيِّ المملوكي، ويشير إلى أعمالِ تجديدٍ للباب.وتحت هذا النقشِ مباشرةً يوجد نقشٌ آخرُ مؤرَّخٌ سنةَ 804هـ/1402م، يتألفُ من أربعةِ أسطرٍ بالخطِّ النسخيِّ المملوكي، وتحيطُ به أربعةُ رنوكٍ مملوكيةٍ صغيرة، ويوثّق أعمالَ تجديدٍ للباب بعد تعرضِه للخراب.أمّا النقشُ الرابعُ فهو أكثرُ امتداداً؛ إذ يأتي على شكلِ شريطٍ كتابيٍّ طويلٍ يبلغ نحوَ 24.55 متراً، ويمتدُّ على أجزاءٍ من البرجين والجدارِ الواصلِ بينهما.وهنا تتحولُ الكتابةُ من مجردِ نقشٍ تذكاري إلى عنصرٍ معماريٍّ يشارك في تشكيلِ واجهةِ البابِ نفسها.وهكذا، تصبحُ واجهةُ بابِ أنطاكية أشبهَ بسجلٍّ حجري؛ كلُّ نقشٍ فيها يحمل اسمَ عصر، وكلُّ تاريخٍ يروي مرحلةً من حياةِ المدينة.جُلّة معروف… حكاية معلّقة في سقف البابلكن بابَ أنطاكية لا يحملُ فقط تاريخَ السلاطينِ والولاة؛ فداخله أيضاً حكايةٌ شعبيةٌ ارتبطت بذاكرةِ أهلِ حلب.ففي سقفِ مدخلِ البابِ توجد كرةٌ معدنيةٌ كبيرةٌ معلّقةٌ بسلسلة، تُعرف باسم "جُلّة معروف".وترتبطُ هذه الجُلّة في الروايةِ الشعبية بالشيخِ معروفِ بنِ جَمَر، الذي تروي الحكاياتُ المحليةُ أنه كان من أبطالِ الفدائيين، وأنه استخدمها في الدفاعِ عن المدينةِ ومواجهةِ المهاجمين.وسواء كانت تفاصيلُ الحكايةِ قد وصلت إلينا كما حدثت تماماً أم اختلطت بمرورِ الزمنِ بالذاكرةِ الشعبية، فقد أصبحت "جُلّة معروف" جزءاً من هويةِ الباب؛ فإلى جانبِ النقوشِ الرسميةِ التي سجلت أسماءَ الحكامِ وأعمالَ الترميم، بقيت هناك حكايةٌ شعبيةٌ معلّقةٌ في سقفه.هو الباب الذي عاش الحروبَ والترميماتلم يكن بابُ أنطاكية بمعزلٍ عن الأحداثِ التي أصابت حلبَ وأسوارَها؛ فقد تعرضت المدينةُ عبر تاريخِها لحروبٍ وتخريباتٍ وزلازل، وتعرضت أسوارُها وأبوابُها لإعادةِ البناءِ والترميمِ مراتٍ عديدة.وقد شهدت حلبُ خلال القرونِ الوسطى مراحلَ من الدمارِ وإعادةِ الإعمار، ولا سيما خلال الغزوِ المغولي في القرنِ الثالثِ عشر، ثم خلال اجتياحِ تيمورلنك في بدايةِ القرنِ الخامسِ عشر.وبعد هذه الأحداث جاءت مراحلُ جديدةٌ من ترميمِ الأسوارِ والأبوابِ وإعادةِ تحصينِها.ومن هنا يمكن فهمُ بابِ أنطاكية باعتباره أثراً حيّاً وليس مبنىً متجمّداً في زمنٍ واحد؛ فقد تغيرت أجزاءٌ منه، وأعيد بناءُ أجزاءٍ أخرى، وأضافت كلُّ مرحلةٍ شيئاً إلى شكلِه ووظيفتِه.حتى تفاصيلُه الداخليةُ تكشف أن البابَ لم يكن مجردَ نقطةِ عبور، بل كان جزءاً من منظومةٍ عمرانيةٍ متكاملة؛ فقد ذُكرت في أحدِ أبراجِه مطحنةٌ قديمةٌ تحتوي على حجري رحى لطحنِ السمسم.فحين يصبح الباب أكثر من بابوعندما نقف أمام بابِ أنطاكية اليوم، لا ينبغي أن نراه كـ "بابٍ قديم" فقط.نحن أمام عنصرٍ معماريٍّ جمع بين الحركةِ والدفاعِ والسلطةِ والذاكرة؛ مدخلٍ كان جزءاً من شبكةِ أبوابٍ حمت حلبَ وربطتها بمحيطِها، وكتلٍ دفاعيةٍ صُمّمت لتعيقَ المهاجم، ونقوشٍ سجلت أسماءَ الحكامِ وأعمالَ الترميم، وحكايةٍ شعبيةٍ بقيت معلّقةً في سقفه.وربما تكون قيمةُ بابِ أنطاكية الحقيقية في أنه لا يحكي تاريخَ حلبَ من خلال الكلماتِ فقط، بل من خلال طريقةِ بنائه نفسِها.ففي انحرافِ مدخلِه نقرأ فكرةَ الدفاع، وفي ضخامةِ حجارته نقرأ قوةَ المدينة، وفي نقوشِه نقرأ تعاقبَ السلطات، وفي "جُلّة معروف" نقرأ ذاكرةَ الناس.وهكذا، لا يعود بابُ أنطاكية مجردَ بابٍ يعبر منه الإنسان، بل يصبحُ هو نفسُه عابراً للزمن؛ بقي شامخاً بينما تغيرت المدينةُ من حوله، وحمل في حجارته آثارَ من مرّوا من هنا، ليبقى واحداً من الشواهدِ التي تجعل العمارةَ قادرة على كتابةِ روايةٍ من التاريخِ بصمت.
الفستق الحلبي… إرثٌ يشرقُ وكنزٌ يورقُ مقال فني
2026.09.25

الفستق الحلبي… إرثٌ يشرقُ وكنزٌ يورقُ

الفستق الحلبي… إرثٌ يشرقُ وكنزٌ يورقُ💚 منذ أن بدأت الأرضُ تدوّن تاريخها الأول على صفحات الطين، كانت شجرةُ الفستق الحلبي تقف في تخوم حلب كأنها نقشٌ أخضر على صخرة الزمن؛ تمدّ جذورها في عمق التراب، وتنهض بأغصانها نحو السماء، كأنها تُعلن أن هذه الأرض خُلقت لتُثمر إرثاً لا ينتهي. لم تكن شجرةً عابرة في سجلّ الطبيعة، بل كانت جزءاً من ذاكرة الشرق القديم.ففي العصر البرونزي، حين كانت المدن تولد من الطين والنار، ظهر الفستق الحلبي كأحد أقدم الثمار التي عرفها الإنسان في المشرق.حمله الآشوريون في قوافلهم، ودوّنه البابليون في سجلاتهم الزراعية، واعتنى به الفرس في حدائقهم الملكية. وعندما وصل إلى الرومان، أعجبوا بصلابته ونكهته، فنقلوه إلى أوروبا، لكنّه ظلّ يحمل اسمه الأول… حَلب. وفي تلك المدينة التي تُتقن صناعة المجد كما تُتقن صناعة الحلويات، وجد الفستق موطنه الأوّل، فصار جزءاً من حياة أهلها؛ يدخل في طقوسهم، في أفراحهم، في موائدهم، وفي صناعاتهم التي حملت اسمه إلى العالم. ومع مرور القرون، تحوّل الفستق الحلبي إلى عنصرٍ تراثي لا يمكن فصلُه عن هوية المدينة.في الأسواق القديمة، كان التجار يفاخرون بجودته، وفي البيوت الحلبية كان ركناً من المطبخ الحلبي، حيث يُعدّ أحد أبرز مكوّناته، ليس بوصفه مادة تُستخدم للتزيين فحسب، بل باعتباره عنصراً متجذّراً في تاريخ المدينة وذاكرتها الغذائية. حيث يدخل الفستق في تزيين الحلويات مثل الكنافة والقطايف والغريبة والمعمول، ويُستخدم في حشوة المعمول بوصفه إحدى أشهر الحشوات في التراث الحلبي.ويظهر أيضاً في الضيافة التقليدية، وفي بعض أنواع الشوكولا والهريسة بوصفه زينة فاخرة، إضافةً إلى الراحة المحمّلة بالفستق، التي يُستخدم فيها الفستق داخل المزيج وتُزيَّن على سطحها بالفستق الحلبي.ولا يقتصر حضوره على الحلويات، إذ يظهر كذلك في بعض الأطباق الحلبية؛ فالكبة المبرومة تُعدّ من أشهر الأطباق التي يتجلّى فيها الفستق الحلبي بوضوح، وفي المنسف الحلبي يُضاف فوق الأرز واللحم ليمنح الطبق لمسةً من اللون والنكهة، انسجاماً مع تقاليد المدينة في العناية بالتفاصيل وتقديم الطعام بصورة متقنة. ولأنّه يفتح أبواب الرزق ويُنعش الأسواق، سمّاه الحلبيون الذهب الأخضر.لم يكن مجرد محصولٍ زراعي، بل كان ثروةً ثقافية؛ ثمرة تحمل في لونها الأخضر الغامق عبق التراب بعد المطر، وفي نكهتها شيئاً من صبر الأرض وحنان الشمس.ولهذا، حين انتقل إلى ثقافات العالم، حمل معه رمزيته؛ فالصينيون يسمّونه "الجوزة السعيدة"، وفي بعض المناطق يسمّونه "الجوزة المبتسمة"، لأن قشرته المتفتحة تشبه ضحكةً صغيرة تُبشّر بالخير. أمّا في حلب، فهو كنز مدينةٍ قاومت الزمن، وظلّت تُثمر رغم كلّ ما مرّ عليها.شجرةٌ بدأت حكايتها في الشرق القديم، ثمّ رافقت الحضارات من آشور إلى روما، ومن حلب إلى العالم، وما زالت حتى اليوم تُشرقُ إرثاً… وتورقُ كنزاً.بقلم : م.راما نور الدين
باب الحديد....حين يطرق التاريخ على سندان الذاكرة مقال فني
2026.09.23

باب الحديد....حين يطرق التاريخ على سندان الذاكرة

حين يطرق التاريخ على سندان الذاكرة ليست المدن العظيمة مجرد أبنية وأسواق ومساجد تتراص فوق صفحات الزمن، بل هي ذاكرة حية تحفظها الحجارة، وترويها الكتب، وتتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.وحين نتجول في أحياء حلب القديمة، لا نمشي فوق طرق مرصوفة بالحجر فحسب، بل نعبر فوق قرون من الحضارة والتجارة والعلم والعمل، حيث تختلط أصوات الحرفيين بنداءات المؤذنين، وتتجاور الأسواق العامرة مع المساجد العتيقة في لوحةٍ فريدة رسمها التاريخ وأكملتها يد الإنسان الحلبي عبر العصور.ومن هنا تبدأ الحكاية عند أحد أشهر أبواب المدينة وأشدها حضوراً في الذاكرة...باب الحديد : يقف باب الحديد شامخاً شمال قلعة حلب مباشرة عند مدخل السوق المسقوف، بوصفه واحداً من أبرز أبواب حلب التاريخية وأكثرها حيوية وحركة.وقد حمل هذا الباب عبر تاريخه أسماء عدة، فعُرف قديماً باسم باب اليهود وباب القصر، قبل أن يغلب عليه اسم باب الحديد نتيجة كثرة ورشات الحدادة ومحال تصنيع الحديد المنتشرة في محيطه. وفي عام 1509م شُيِّد بشكله الحالي خلال العهد المملوكي على يد السلطان قانصوه الغوري، فتميز بقوسه الحجري المتين وسقفه المقوس الذي ما يزال يختزن ملامح العمارة المملوكية العريقة.ولم يكن الباب مجرد معبر بين جهتين من المدينة، بل تحول إلى شريان نابض يصل قلعة حلب بأسواقها القديمة، حيث تنتشر المحال التراثية للحدادة والنجارة والصناعات اليدوية. وحتى اليوم ما زالت الحياة تتدفق في أروقته، ويعبق المكان بروح التاريخ وروائح المهن القديمة وأصوات المطارق المتناغمة مع إيقاع المدينة، مما يجعله محطةً استثنائية لكل زائر يبحث عن جوهر حلب الحقيقي.ومن ظلال الباب العتيق تتفرع الدروب نحو معالم روحية حملت عبق القرون وحفظت ملامح المجتمع الحلبي عبر الأزمنة...يقع جامع بنقوسا، أو بانقوسا، شرق باب الحديد بنحو ستين متراً في حي خان السبيل، ويُعد من الجوامع المملوكية المهمة في المنطقة.يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن الهجري، الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي، حيث بدأ بتشييده الخواجة " خاص بك" ، ثم أكمله أهل الخير من بعده. وقد عُرف في الماضي باسم الجامع الجديد تمييزاً له عن جامع الحدادين العتيق، ثم غلب عليه اسم المحلة التي نشأ فيها فأصبح يعرف بجامع بانقوسا.ويتميز الجامع بصحن واسع يبلغ طوله مائة قدم وعرضه اثنين وسبعين قدماً، تتوسطه بركة ماء كانت تصلها مياه قناة حلب، كما يضم رواقين جميلين يضفيان على المكان رحابة وهدوءاً. وفي زاويته الشمالية الغربية ضريح يُنسب إلى النبي بنقوسا، بينما يحتفظ الجامع بأحد أشهر مقتنياته التاريخية، وهو حجر أزرق داخل القبلية إلى يسار المحراب، نُقش عليه أثر كف يُقال إنه كف النبي محمد ﷺ، وتحيط به أبيات شعرية جعلته موضع زيارة وتبرك عند الناس على مر السنين. وإذا كان جامع بنقوسا يمثل صفحة مشرقة من تاريخ المحلة، فإن الجامع العتيق المجاور يكمل السردية التاريخية للمكان...فإلى الشمال من باب الحديد، في حي الشميصاتية بحلب القديمة، يقع جامع الحدادين المعروف أيضاً باسم جامع بنقوسا العتيق أو الجامع العتيق، وهو من أقدم مساجد المدينة. شُيِّد في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي خلال المرحلة الأيوبية المملوكية على يد الحاج علي بن معتوق الدينسيري، وجُدّد عام 1841م.وقد استمد الجامع اسمه من سوق الحدادين المجاور له، أو من الشيخ الحدادي الفقيه المدفون فيه. ويتميز ببابين، أحدهما شرقي والآخر غربي، وصحن واسع تبلغ أبعاده 42×105 أقدام، تتوسطه بركة تصلها المياه من قناة حلب.كما ترتفع منارته فوق غرفة خاصة، في صورة معمارية تضيف إلى بنائه فرادة وتميزاً.وما يزال الجامع حتى يومنا هذا عامراً بالمصلين، شاهداً على استمرار الوظيفة الدينية والروحية التي حملها لقرون طويلة، وجزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي لحلب القديمة. ومع مواصلة الرحلة بين أحياء المدينة العريقة، تظهر معالم أخرى تشهد على ازدهار الحياة الدينية والعمرانية في المنطقة...ففي حي البياضة، شمال سوق البياضة بين باب الحديد والباب الأحمر، يقع جامع البياضة المعروف أيضاً باسم جامع الصروي، وقد استمد اسمه من الحي الذي يقع فيه.وتشير الكتابات المنقوشة فوق بابه الرئيسي إلى أن بانيه هو الحاج ناصر الدين محمد بن بلبيك الصروي، المعروف أيضاً باسم محمد الصروي، وذلك سنة 780هـ الموافق لعام 1378م في العهد المملوكي.ويتميز الجامع بمحرابه ومنبره وسدته المصنوعة من الرخام الأصفر، وقد وصفه المؤرخون بأنه "جامع لطيف" متوسط السعة. وخلال تاريخه الطويل شهد عدداً من التوسعات والترميمات المهمة، شملت توسيع القبلية والصحن وإضافة حوض ماء في منتصف الصحن، حيث جُلبت إليه المياه من قسطل خارجي، وفُرشت أرضه بالرخام.كما أُنشئ فيه إيوان من الجهة الشرقية سنة 1340هـ في عهد مدير الأوقاف يحيى الكيالي، وعولجت واجهته الشمالية ببناء قنطرة جديدة حافظت على الباب والمنارة من السقوط، لتظل ملامحه التاريخية حاضرة رغم تقلبات الزمن. ومن الجوامع الكبرى إلى المساجد التي اختبأت في ثنايا الأزقة، تستمر ذاكرة المكان في الكشف عن وجوهها المتعددة...ففي الزقاق النازل من قبو المسلاتية باتجاه حمام بلبان، وعلى يسار السالك في محلة المستدامية، يقع جامع الأكنجي المعروف أيضاً باسم مسجد المسلاتي. وهو مسجد صغير الحجم، لكنه يحتل موقعاً مميزاً ملاصقاً لسبيل البلباني وزيارته، مما جعله جزءاً مهماً من النسيج التاريخي للمحلة. كما تذكر المصادر وجود قسطل الأكنجي، وهو نقطة ماء تقع تجاه المسجد بميل إلى الشرق. ورغم أنه من المساجد الثانوية التي لم تنل قدراً كبيراً من التوثيق التاريخي، فإنه يبقى شاهداً على انتشار دور العبادة في مختلف أحياء حلب القديمة.وبالقرب منه يقف مسجد آخر ارتبط اسمه بتاريخ المحلة وأهلها... وهو مسجد بلبان الواقع في محلة المستدامية ضمن حي البياضة، مقابل حمام بلبان مباشرة. وقد ورد ذكره في كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب للمؤرخ الغزي ضمن الآثار الباقية في هذه المحلة، إلى جانب جامع الأكنجي وجامع المستدامية. ويدل وجوده في هذه المصادر على أنه كان مسجداً معروفاً ومستخدماً في عصره، وأسهم في تشكيل المشهد الديني للحي عبر سنوات طويلة.وبين هذه المساجد والمعالم العمرانية ظل سوق الحرفيين القلب النابض الذي منح المنطقة هويتها الاقتصادية والحضارية...فيمتد سوق الحدادين، المعروف أيضاً باسم سوق المسلاتية أو قبو النجارين، بين باب الحديد وحي البياضة، باعتباره واحداً من أعرق الأسواق المسقوفة في حلب القديمة وأجملها. وقد اكتسب اسمه من مهنة الحدادة العربية التي كانت المهنة الغالبة فيه، حيث اشتهر الحرفيون بصناعة الفؤوس والأزاميل والمسامير، إضافة إلى الأدوات الزراعية اليدوية التي جمعت بين الحديد والخشب في تناغم يعكس مهارة الصناع الحلبيين.وكان السوق يُعرف في الماضي باسم سوق السراجين نظراً لازدهار صناعة سروج الخيل فيه، قبل أن تتنوع المهن والحرف مع مرور الزمن. ويضم السوق حالياً نحو أربعة وثلاثين محلاً تجارياً، وقد استعاد حيويته بعد عمليات ترميم واسعة أُجريت عقب الأضرار التي لحقت به عام 2012، فعادت مطارقه تدق من جديد، واستأنف الحرفيون صناعة التحف المعدنية والسيوف الدمشقية والمشغولات النحاسية التي طالما اشتهرت بها حلب وأسواقها.وهكذا، ما بين بابٍ يروي سيرة القوافل، وجامعٍ يحتفظ بأصداء الدعاء، وسوقٍ ما زالت تتردد فيه ضربات المطارق كما كانت قبل مئات السنين، تتجسد صورة حلب الحقيقية؛ مدينة لا تسكن التاريخ فحسب، بل تجعل التاريخ يسكن فيها. إن هذه المعالم ليست حجارة صامتة ولا أبنيةً عابرة على هامش الزمن، بل هي إرث متجذر في الوجدان، وذاكرة جماعية صاغتها قرون من الإيمان والعمل والإبداع.حين يطرق التاريخ على سندان الذاكرة في هذه البقعة من حلب، تتطاير شرارات الحكايات من كل زقاق ومئذنة وسوق، لتؤكد أن المدن العظيمة لا تُقاس بعمر أبنيتها فقط، بل بقدرتها على البقاء حية في قلوب أبنائها، مهما تعاقبت الأزمنة وتبدلت الأحوال.        
بين أحجار الكنائس وروث الدجاج... تموت حضارة قديمة في صمت مقال فني
2026.06.14

بين أحجار الكنائس وروث الدجاج... تموت حضارة قديمة في صمت

  لم يوقظني في تلك الليلة سوى شوق مبكر إلى الصباح. كنت أعلم أنني على موعد مع رحلة استثنائية برفقة فريق حركة الفن الحلبي الشعبي، ذلك الفريق الذي يحمل همّ استعادة جمال هذا البلد، ويبحث بشغف عن تراثه المدفون تحت طبقات النسيان والإهمال.   انطلقنا من مدينة حلب قبل أن تشتد حرارة الشمس، وقبل أن تبتلع ضوضاء النهار ما تبقى من هدوء الصباح. كان الحماس يملأ الأجواء، ووجوه المشاركين، على اختلاف أعمارهم، تتقاطع عند هدف واحد: الإصغاء إلى ذاكرة هذه الأرض الصامتة. بدت الرحلة كأنها عبور في الزمن. تتبعنا خلالها آثار التاريخ البيزنطي والروماني، مروراً بقصر المشبّك، وكنيسة ست الروم، والمدفن الروماني، وقرية الرفادة، ثم مضافات الحجاج وقوس النصر المؤدي إلى دير سمعان.   كانت هذه المواقع أبرز محطات رحلتنا، لكن ما رأيناه فيها لم يكن مشهداً يليق بتاريخها. عندما يتحول الهيكل المقدس إلى حظيرة دجاج: وصلنا إلى كنيسة ست الروم، تلك التحفة المعمارية التي كانت يوماً من أهم معالم المنطقة الدينية. اعتدت أن أرى في الأطلال بقايا حكايات تنتظر من يرويها، لكن ما وقع عليه بصري هناك لم يكن سوى صورة قاسية للإهمال. لم نجد أعمدة رخامية تحتفظ بزخارفها البيزنطية، ولا سقوفاً تروي جمال الفسيفساء القديمة، بل جدراناً متهدمة اقتُلعت حجارتها لتُستخدم في بناء منازل متواضعة. أما داخل الهيكل الرئيسي، حيث كانت ترتفع الصلوات وتفوح رائحة البخور، فقد تراكمت أكوام من روث الدجاج. تحول المكان إلى حظيرة دواجن، وصار صياح الديوك يملأ أرجاء الكنيسة. قبور تتحول إلى دفاتر للعبث: لم تتوقف الصدمة عند الكنيسة، بل امتدت إلى “قبر إيزودوتس” الروماني، ذلك المدفن الشاهق الذي يُعد من أهم المعالم الجنائزية في المنطقة. كان يفترض أن يبقى شاهداً على تاريخ طويل من فنون العمارة والدفن الرومانية، لكنه تحول إلى مساحة لعبث الزوار، بعدما امتلأت جدرانه بالكتابات والرسائل التذكارية التي تركها أشخاص لم يجدوا مكاناً يخلّدون فيه أسماءهم سوى فوق آثار بلادهم. قوس النصر… آخر شاهد على طريق الحجاج: وصلنا بعد ذلك إلى قوس النصر، ذلك الشاهد الصامت الذي كان يوماً المدخل الرئيسي للحجاج المتجهين نحو دير سمعان. وقفت تحته، وحاولت أن أتخيل المشهد قبل قرون: حجاج متعبون، تغمر وجوههم رهبة الطريق والإيمان، يعبرون هذا القوس وهم يقتربون من وجهتهم المقدسة. أما اليوم، فيقف القوس وحيداً وسط الصمت والإهمال، لا يعبر من تحته سوى الرياح والغبار، بينما تواصل حجارته رواية حكاية لم يعد أحد يصغي إليها.   قرية الرفادة ومضافات الحجاج… حكايات منسية: بين قوس النصر وكنيسة ست الروم تمتد قرية الرفادة، كمتاهة حجرية مهجورة تهمس بحكايات الرهبان والفلاحين الذين عاشوا بين هذه الأزقة والحجارة. أما مضافات الحجاج، أو ما تبقى منها، فقد تحولت إلى أطلال تروي قصص المسافرين الذين كانوا يستريحون فيها قبل متابعة رحلتهم إلى الدير. لم يبق هناك من يستقبل العابرين، ولا حتى من يتذكرهم. قصر المشبّك… كنيسة لم تنجُ من الإهمال: كانت محطتنا الأولى في قصر المشبّك، الذي ليس قصراً في الحقيقة، بل كنيسة ضخمة تعود إلى العصر البيزنطي، شُيدت بحجارة كلسية ضخمة مصفوفة بدون مواد بناء تعكس روعة العمارة الدينية في تلك الحقبة. وقفت أمام جدرانها المتآكلة، وحاولت أن أتخيل أيام ازدهارها، حين كانت الترانيم تتردد في أرجائها، لكن المشهد في الداخل كان مؤلماً. لم تكن الأرضية مكسوة بفسيفساء أو آثار محفوظة، بل غطتها طبقة كثيفة من روث الحيوانات، في دليل واضح على أن المكان استُخدم مأوى للأبقار والأغنام والدواجن. حتّى صحن الكنيسة، الذي كان يوماً مكاناً للعبادة، لم يسلم من ذلك الإهمال. وهكذا، كما حدث في كنيسة ست الروم، تحول مكان يحمل قيمة دينية وتاريخية إلى حظيرة مهملة، بينما بقيت الحجارة شاهدة على ما وصل إليه هذا التراث من إهمال.   حضارة تتآكل في صمت: وأنا أقف أمام هذه الأبنية المتداعية، أدركت أن ما رأيته لم يكن مجرّد أطلالٍ مهملة، بل صورة موجعة لفقدان الذاكرة الثقافية. كنيسة ست الروم التي تحولت إلى حظيرة دجاج، وقبر إيزودوتس الذي امتلأت جدرانه بالعبث، وقوس النصر الذي فقد عابريه، وقرية الرفادة التي غابت حكاياتها، وقصر المشبّك الذي غطى الإهمال أرضيته… كلها شواهد على تراث يُترك ببطءٍ ليموت. فمن الأجدر أن تُغلق أبواب هذه المواقع وتحفظ، بدلاً من أن تُترك نهباً للتخريب والإهمال، وأن تبقى حجارتها شاهدة على تاريخها، لا مواد بناء تُقتلع من مكانها.   هذا النداء الخارج من قلب الألم ليس سوى دعوة صادقة لكلّ من يقرأ: إذا لم ندرك قيمة هذا التراث اليوم، فلن يجد الجيل القادم سوى أطلال مهملة في أماكن كانت يوماً شاهدة على حضارةٍ عظيمة. إنقاذ هذا التراث ليس رفاهية، بل واجب وطني، ووفاء لذاكرة لا يليق بها أن تضيع بين الإهمال وروث الدجاج. ألاء الشهابي